حسين جمو
إن شبح اللامركزية يطوف في الشرق الأوسط. من حيث المعنى، لا تبدو المقارنة متناسبة بين طروحات اللامركزية حالياً، في أكثر من دولة، مع سقف برنامج الحركة العمالية المبكرة في البيان الشيوعي لكارل ماركس وفريدريك أنجلز عام 1848 التي استهلت بمقولة «إن شبحاً يطوف في أوروبا، ألا وهو شبح الشيوعية».
تبدو اللامركزية أدنى بكثير من الشيوعية من حيث قوة التغيير في التحول من أيديولوجيا حكم إلى آخر. اللامركزية ليست نظرية ثورية في الإطاحة بطبقات اجتماعية كاملة وإحلال الطبقة العمالية كما في الشيوعية، حيث أن حجم التغيير الذي كان مطلوباً من نضال الحركة العمالية خلال ثورات ربيع أوروبا 1848 كان كبيراً – على المجتمع والاقتصاد – لدرجة أنه «سرعان ما تم طرد هذا الشبح في العام نفسه» على حد تعبير المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم (1917 – 2012)، قبل أن يعود هذا الشبح بأشكال أخرى ويؤثر في مجرى التاريخ الحديث في أكثر من بلد وقارة. ورغم أن اللامركزية، وهي تواجه المركزية، هي نزاع سياسي واقتصادي ويفترض أنه لا يتطلب أثمان الثورة الشيوعية، فإن تسطح الفكر السياسي في الشرق الأوسط، ورجعية «المثال التاريخي» المركزي، يجعل من اللامركزية ثورة سياسية واجتماعية بامتياز، وهي ثورة تسندها جيوش موازية للدولة المركزية، كما الحال في سوريا واليمن وليبيا والسودان والصومال والعراق.
هناك مقولات شاعت على لسان دبلوماسيين وكتاب ومفكرين في الآونة الأخيرة، مفادها أن المرحلة الدولية الحالية في الشرق الأوسط وغيرها هي مرحلة إعادة بناء الدولة المركزية، وأنه لا مكان للجيوش الموازية داخل الدولة بعد الآن. على هذا الأساس حاول هؤلاء رسم صورة فحواها أن كل معركة ضد الدولة المركزية الشرعية هي معركة خاسرة وأن الاستسلام للدولة بالنسبة للكيانات الساعية نحو اللامركزية أو الانفصال هو الحل الأكثر سلامة للجميع. لكن، إذا نظرنا للواقع من حولنا، نجد أن منطقة الشرق الأوسط هي صراع بين المركزية أو ما يسمى «الدولة الوطنية» وبين الكيانات المحلية والثقافات والقوميات الساعية نحو تعديل شكل الحكم. وما نراه اليوم هو أن الدولة المركزية تتعرض لضربات قاسية، في اليمن حيث المسعى الجنوبي للانفصال، وفي السودان حيث المعارك والحرب الأهلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وفي ليبيا حيث النزاع غير المنتهي بين شرقها وغربها، وهناك أيضاً اعتراف إسرائيل بأرض الصومال جمهورية مستقلة وسط تنديد عربي رسمي، هذا فضلاً عن سوريا المنقسمة إلى ثلاثة كيانات (قسد والدروز ودمشق) وربما يلتحق العلويون أيضاً بمطلب لا مركزي كياني. ما نراه هو أن الدولة المركزية ما زالت تطرح سرديات «أموية» لو كانت صالحة لحكم بنو أمية حقبة أطول من عمر رجل واحد.
حالياً، تشهد خمس دول إقليمية حروباً أو أزمات أهلية مركّبة (سوريا – اليمن – الصومال – السودان – ليبيا)، وهناك عوامل مشتركة عديدة في أزمات الدول الخمس:
- النزاع بين المركزية واللامركزية
- دول إقليمية كثيرة تدعم بشدة الدولة المركزية
- دول إقليمية أقل تدعم مطالب الكيانات السياسية المطالبة باللامركزية أو الانفصال
- الإسلام السياسي، على أشكاله، الإخوان والسلفية، وفي القاع من تيارات الإسلام السياسي

حكمت أنظمة الحكم المتعاقبة هذه الدول بمنهج واحد، وهو إدارة دولة فاشلة على كافة المستويات باستثناء بناء الأجهزة الأمنية. المجتمعات في هذه الدول مسحوقة في كل شروط الحياة الكريمة، لذلك يتم حقن قطاعات من هذه المجتمعات بأطروحات قاتلة، توهمها عبر حملات إعلامية منظمة ومدروسة أنها صاحبة الدولة، وعليها حمايتها من الأخطار، فتنطلق فزعات وإبادات، تنظمها قنوات تعرف ماذا تفعل بالضبط، وهو تعميق عقلية الحرب الأهلية، والتأسيس للمجازر حتى تصبح هذه الدولة الجديدة، والمتفائلة بالازدهار، في قاع نماذج الحكم في الإقليم، حتى يحافظ القديم على رصيده الشعبي باعتباره الخيار الأصلح، والترويج لفكرة أن الديمقراطية واحترام التعددية طريق يؤدي إلى الفوضى. وأفضل السبل لتدمير أمل التغيير هو تمكين فئة بالحكم ودعم أطروحة الدولة المجرمة، التي ترتكب الجرائم بحق شعبها من أجل «وحدة دولة الجريمة». لذلك، من يمنع سوريا، عن ذكاء أو سوء حسابات أو جهل، من بناء نظام حكم توافقي وطني لامركزي (حين تكون المركزية هي جوهر المشكلة) فهو يكره نهضتها. المبعوث الذي أطلق شعار «دولة واحدة، علم واحد، جيش واحد» دافع عن كراهيته لسوريا وليس دعماً لأحمد الشرع وأنصاره. وهذه الحروب الحالية، في الدول الخمس، بل أكثر، لا تقتصر فقط على الخوف من الديمقراطية، بل أدنى من ذلك بكثير، وهو كراهية «دولة الاتفاق الجماعي»، أي كراهية دولة بلا مجازر وطروحات إبادة.
إقليم الجنوب العربي أو ما كان يسمى «اليمن الجنوبي»، يكافح ضد هيمنة فئوية مركزية شديدة التمييز في التنمية والإدارة في دولة فاشلة في المركز والأطراف. الصومال نموذج للدولة الفاشلة، وهي الأكثر فشلاً من بين كل الأمثلة التي تستخدم في الدراسات والأبحاث والمقابلات منذ 40 عاماً، دولة يتفشى فيها الإرهاب ويحاصر حكومة مقديشو التي أكبر صلاحياتها اليوم هو منح قواعد عسكرية للقوى الأجنبية على أراضيها. مع ذلك، تحاصر أقاليم صومالية مهمشة تطالب منذ أكثر من 30 عاماً باللامركزية، وحين فشلت كل الخيارات أعلنت أرض الصومال استقلالها من جانب واحد منذ عام 1991، وللمفارقة فإن كلاً من أرض الصومال واليمن الجنوبي مستعمرتان سابقتان لبريطانيا، وحدود أرض الصومال الحالية هي حدود الاستعمار البريطاني، وحكومة مقديشو اليوم هي الصومال الإيطالي. اتحد الإقليمان عام 1960 لتشكيل جمهورية الصومال. ما حدث لاحقاً أن شعب أرض الصومال دفع الثمن باهظاً، فقتل منهم عشرات الآلاف خلال الحكومات الفاشلة المتعاقبة في الدولة المركزية في مقديشو، إلى أن حدث الانهيار في عام 1991 بسقوط نظام الجنرال سياد بري، فانسحبت أرض الصومال من فوضى المركز والدولة الفاشلة، وهي لم تمنح فرصة بناء نظام حكم منذ ذلك الحين، رغم ذلك نأت بنفسها عن فوضى الإرهاب والعسكر في حكومة مقديشو. وباعتراف إسرائيل بأرض الصومال قبل أسابيع، تكون أرض الصومال قد خطت خطوة أولى نحو استعادة كيانها السياسي الذي كان قائماً قبل الأوهام الوحدوية التي سوقت لها أيديولوجيات التحرر الوطني.
الملاحظ أنه في كل هذه الدول، فإن التيارات الداعية إلى ترشيد الحكم المركزي، ومنح الأقاليم صلاحيات لامركزية حقيقية لا تضم في أي حالة من هذه الحالات ممثلي الإسلام السياسي. فالمركزية الشديدة، والتي تعني سحق كل تمثيل للحكم المحلي، هي أيديولوجية هذا التيار، والدول الإقليمية التي تدعم الأطروحات المركزية الشديدة في دول تشهد حروباً أهلية، دافعها إما خطأ في القراءة السياسية، أو كراهية عميقة لاحتمال التوافق الوطني في هذه الدول، لذلك يلعب الدفع والدعم للدولة المركزية ضمانة لخروج الدولة المضطربة من الفاعلية الإقليمية، وبقائها ساحة للفوضى وعدم النهوض، وبالتالي عدم وضع تجارب الداعمين موضع تساؤل لدى شعوبها. ولا يعني في المقابل أن اللامركزية وصفة ناجحة بدون تجريب، فهناك لامركزيات فيدرالية ناجحة، وهناك نماذج تكون انعكاساً لتفكك الدولة وتعبيراً عن الحرب الأهلية.
والمؤسف أنه لا يمكن إثبات أو إقناع المركزيين بعدم صلاحية نموذجهم للحكم سوى عبر هزيمتهم أو ردعهم عسكرياً، وتكلفة هذا الردع باهظة جداً، وهي فصل جديد من فصول الحروب الأهلية في طور أكثر عنفاً، إذ تدخل فيها أطروحات جاهلة تسبغ القداسة على دولة لا يتجاوز عمرها عدة عقود فقط، ولا وجود لها في التاريخ على شكل تبعيات لإمبراطوريات مترامية الأطراف، وتكون فيها هذه الكيانات إما على شكل سنجق أو متصرفية أو ولاية في أرقى أحوالها.
في الشرق الأوسط اليوم، ورثت الدولة المركزية أدوات القرن العشرين: الجيش، الأجهزة الأمنية، السردية الوطنية الصلبة. ومع تراجع فعاليتها في إدارة التنوع والاقتصاد والشرعية، يظهر «شبح» اللامركزية والحكم المحلي كإشارة على أن أدوات السيطرة لم تعد كافية.
إن الجهود الرامية إلى تطبيق أنماط حكم لامركزية في المنطقة، رغم ما تحمله من وعود لمجتمعات أنهكتها سنوات طويلة من الديكتاتورية والحروب، ستكون بالضرورة معقدة، وغير متجانسة، ومعرّضة للتراجع، وكذلك للتلاعب الخارجي.
عندما قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك إن «الفيدرالية لا تنجح» في سوريا والعراق،
كان يعيد تأكيد نمط من التفكير الدولي يعود إلى قرن من الزمن، نمط فشل مراراً في جلب السلام أو الاستقرار أو العدالة إلى المنطقة. وقد تضمّن تصريحه، الذي انتقد فيه تحديداً قوات سوريا الديمقراطية بحجة بطئها في التفاوض مع النظام الجديد في دمشق، إيحاءً بأن الحكم اللامركزي يشكل عائقاً أمام حل النزاعات. وكانت قيادة «مركزيتنا الجديدة» على عجلة من أمرها في التقاط محتوى هذا الخطاب لتباشر الهجوم الدموي على الدروز في السويداء، بينما كانت تتوعد الكرد كهدف تالٍ.
لم تكن الفيدرالية هي التي زعزعت استقرار العراق، كما ذهب باراك، بل الهجوم المضاد على نموذج الفيدرالية هو الذي طرح العراق أرضاً جراء سنوات من اجتماع الإرهاب على أرض هذا البلد، وصناعة الخائفين لـ «حاوية إرهابية». إن الأيديولوجيا الجهادية لم تنجح في حكم العراق لكنها أسست لخراب بنيوي في البلد، لدرجة أن المنتصرين أنفسهم باتوا ماكينة للخراب والفساد. في النتيجة، ليست أن الفيدرالية لا تعمل، إنما الهجوم المضاد للفيدرالية هو الذي أودى بتجربة العراق الذي يبقى أفضل من محيطه من حيث صلاحيات الأطراف والمركز.
لم تؤدِّ الدول المركزية في الشرق الأوسط إلى الوحدة أو الاستقرار. بل زرعت الانقسام، وخلقت فراغات في السلطة، وأشعلت دوامات من العنف امتدت آثارها إلى ما وراء الحدود. ومن خلال تركيز السلطة في أيدي نخب ضيقة، أنتجت هذه الأنظمة عوامل طرد تسبّبت في موجات واسعة من الهجرة والتهجير. وفي الوقت ذاته، ساهمت البنى الاستبدادية في خلق بيئات خصبة للتطرف والإرهاب.
إن الآثار التراكمية لهذه الديناميات تكشف عمق المخاطر المرتبطة بهذه النظم السياسية. وافتراض أن إحياء النموذج المركزي الاستبدادي نفسه أو استمراره قد يفضي إلى نتائج مختلفة، يتجاهل عقوداً من الأدلة التي تثبت عكس ذلك.
رغم ما يعتري الفيدرالية واللامركزية من نقائص، فقد أثبتتا فعاليتهما كإطارين لحكم المجتمعات المتنوعة. فالولايات المتحدة حافظت على نظام فيدرالي لأكثر من 250 عاماً، ونجحت في الموازنة بين الوحدة والاستقلالية الإقليمية، رغم الانقسامات السياسية والثقافية العميقة. وفي الشرق الأوسط، يقدّم نموذج دولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً على كيفية تمكّن البنية شبه الكونفيدرالية من الحفاظ على السلطة المحلية، بالتوازي مع تحقيق التماسك الوطني والنمو الاقتصادي.
تحتاج المنطقة إلى بنية سياسية جديدة تعترف بتنوعها الإثني واللغوي والديني، بدلاً من النماذج الجامدة للدولة التي ورثتها عن رسّامي الخرائط الاستعمارية في مطلع القرن العشرين. وقد تمثّل الفدرالية، أو أي شكل آخر من أشكال تفويض السلطة، إذا صُمّم وفق الوقائع الميدانية، مساراً نحو السلام والتمثيل والمساءلة.
ورغم أن اللامركزية توفّر إطاراً قابلاً للحياة لإعادة بناء الدول متعددة الإثنيات في مراحل ما بعد النزاع، عبر توسيع المشاركة، وتعزيز الصمود المحلي، وتخفيف البنى الاستبدادية تمهيداً لحوكمة أكثر شمولاً، فإن هذه المكاسب ليست مضمونة. فمن دون ضوابط، يمكن للسلطات المركزية، والقوى الخارجية، والفاعلين المسلحين، والنخب المتجذّرة، أن تقوّض سريعاً التقدم المحلي وتعيد تركيز السلطة.
ما يميز الحالة السورية أن الصراع لم يُحسم عسكرياً، ولم يُحسم سياسياً. الدولة المركزية ما زالت قائمة من حيث الشكل، لكنها غير قادرة على إعادة إنتاج نموذج الحكم السابق، ولا على فرض نموذج جديد قابل للحياة. في المقابل، الكيانات المحلية لا تملك بالضرورة مشروع دولة مستقلة، لكنها تملك ما يكفي من القوة والشرعية المحلية لمنع عودة المركز إلى صيغته القديمة. هذا التوازن السلبي يفسر استمرار الانقسام، ويجعل أي حديث عن إعادة بناء الدولة المركزية حديثاً نظرياً ما لم يُرفق بإعادة تعريف جذري لطبيعة الدولة نفسها. لذلك، إذا عدنا إلى مثال شبح الشيوعية عام 1848، وشبح اللامركزية في 2026، فإن اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في «الدولة السورية» سيعني تغيير ذهنية الدولة السورية، وليس تفكيك صاحب أقوى طرح لامركزي في الشرق الأوسط.
الصراع في سوريا لا يدور حول وحدة الأراضي، كما يروج الأفراد غير الإسلاميين الذين انضموا إلى ركب الإسلاميين، وإنما يدور حول شكل ومضمون سوريا الجامعة الواحدة. وهذا لا يعني أن «وحدة سوريا» هي أيديولوجية اللامركزيين، خاصة إذا كانت هذه الوحدة هي من نوع وحدة الحجاج الثقفي، وفي الواقع هذا هو النموذج الذي تفضله أطراف عدة لا تريد أن ترى سوريا الممتدة في التاريخ والمنطلقة نحو المستقبل.
———–
المركز الكردي للدراسات …




















Leave a Comment
Your email address will not be published. Required fields are marked with *